القتال في الإسلام ضوابط وأحكام

 بقلم: علاء حمّاد

 



بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه بإحسان إلى يوم الدين..

 



حديثنا عن القتال في الإسلام، والأمر به في القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة

 




 



أولاً: علاقة المسلمين بالمختلفين عنهم في العقيدة:

 



لنقرأ قول الله تعالى في سورة الممتحنة

 



لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (8) إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (9)

 



فنجد أن هناك علاقة بين المسلمين والمخالفين عنهم في العقيدة وهي علاقة المودة والسلم والبِر والقسط والعدل، بنص الآية الكريمة.

 



 أما القتال فإنه طارئ، استثنائي، يفرضه عدوان الآخرين على المسلمين بإكراههم وفتنتهم في دينهم وإخراجهم من الأوطان والديار بالتهجير والاستعمار والاحتلال.

 




 



الإذن بالقتال

 



لقد تتبع المتخصصون هذا فوجدوا أن جميع الآيات التي أتى فيها الإذن أو الأمر تحث على القتال لم تخرج عن هذين الأمرين:

 



الحالة الأولى: أن يَفتن الآخرون المسلمين، بأن يكرهونهم على الكفر أو يحُولون بينهم وبين حرية الدعوة إلى الإسلام بالحكمة والموعظة الحسنة

 



الحالة الثانية: إخراج المسلمين من ديارهم وأوطانهم أو المظاهرة (المساعدة) على هذا الإخراج

 



وفي هذا الإطار نجد الإذن بالقتال يقول سبحانه وتعالى:

 



سورة الحج:{ أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (39) الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً..}

 



إذاً الإذن للذين ظُلِموا والذين قوتلوا، لرد الظلم والعدوان.

 




 



الأمر بالقتال

 



        عندما أمر القرآن المسلمين بالقتال كان ذلك لمن أخرجوهم من ديارهم وهو رفض كذلك للعدوان يقول الله تبارك وتعالى في سورة البقرة:

 



" وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبِّ الْمُعْتَدِينَ (190) وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُم مِّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلاَ تُقَاتِلُوهُمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِن قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاء الْكَافِرِينَ (191)

 




 



وحينما تحدث الإسلام عن القتال كفريضة وهو أيضاً في مقام رد العدوان:

 



" كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ (216) يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ اللّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِندَ اللّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ"

 




 



وكذلك كان المقام وكانت الأسباب والمقاصد عندما استنفر القرآن المسلمين لخوض غمار القتال فالمقام والسبب لهذا الاستنفار هو عدوان الآخرين أو المشركين عندما استفزوا الرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنين فأخرجوهم من الديار، وعندما تآمروا على الرسول صلى الله عليه وسلم ليقتلوه " وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللّهُ وَاللّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِين" ويقول كذلك تبارك وتعالى: " وَإِن كَادُواْ لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الأَرْضِ لِيُخْرِجوكَ مِنْهَا"الإسراء

 




 



منهج القرآن في عتاب الذين تأخروا عن الخروج في سبيل الله

 



" يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ (38) إِلاَّ تَنفِرُواْ يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ وَلاَ تَضُرُّوهُ شَيْئاً وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (39) إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ.."

 



بمعنى أنه حتى في مجال العتاب على الذين تثاقلوا عن الخروج يذكرهم بأن هؤلاء الذين تقاعستم عن قتالهم هم الذين أخرجوا النبي صلى الله عليه وسلم .

 




 



حديث القرآن عن المكانة التي أعدها الله عز وجل للمؤمنين:

 



 كذلك يُذَكِّر بهذا يقول تبارك وتعالى: "فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُواْ وَأُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَأُوذُواْ فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُواْ وَقُتِلُواْ لأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ .." آل عمران

 



وعلى هذا المنوال تأتي جميع الآيات القرآنية التي أذنت أو أمرت أو أوجبت أو حثت على القتال لتحقن مشروعية القتال في الإسلام على رد العدوان وعلى الإيذاء والإخراج من الديار

 



"الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُواْ اللّهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ مَعَ الْمُتَّقِين" البقرة

 




 



هل يقاتل المسلمون غيلة؟

 



المسلمون لا يقاتلون غِيلة ولا فجأة وإنما لابد لهم من إعلام الآخر يقول سبحانه وتعالى:" وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاء إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ الخَائِنِين"

 



واللهِ هذا البند ليس موجوداً في أي ميثاق لأي دولة

 



يقول الله عز وجل للمسلمين إن أردتم أن تقاتلوا فلا تبدءوا بالقتال ولكن انبذ إليهم ( أعلمهم أو أخبرهم)

 




 



أخلاق القتال في الإسلام:

 



إذا قاتل المسلمون فإنهم لا يُجهِزون على جريح، ولا يقتلون أسيرا بل ولا يضيقون عليه في ضروريات حياته، وكذلك لا يقتلون ولا يقاتلون غير المقاتلين، فلا قتال ولا قتل للنساء، والأطفال والمسالمين ، والرهبان والعباد، والمنصرفين إلى الزراعات والتجارات والصناعات والحرف وشئون العمران.

 



بل لقد ذهبت أخلاق الفروسية الإسلامية إلى الرفق بالحيوانات والنبات فلا يقطعون شجرا ولا يقتلعون زرعاً، ولا يدمرون البيئة، ولا يذبحون حيواناً من أجل الحفاظ على الحياة.

 



وفي سنة الرسول صلى الله عليه وسلم، وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعده، رضي الله عنهم ذخائر..

 



فقد نهى الرسول صلى الله عليه وسلم عن قتل الوِلدان، وأخرج البخاري ومسلم ومالك في الموطأ  عن بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى في بعض مغازيه امرأة مقتولة فأنكر ذلك ونهى عن قتل النساء والصبيان،

 



وكتب عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه إلى عامل من عماله يقول له أنه قد بلَغَنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا بعث سرية يقول لهم:" اغزوا بسم الله، في سبيل الله، تقاتلون من كفر بالله لا تغلوا ولا تغدروا ولا تمثلوا ولا تقتلوا وليدا " ثم أردف عمر بن عبد العزيز لعامله يقول: قل ذلك لجيوشك بإذن الله

 



ومن طلب الأمان من المقاتلين ولو بالإشارة فدَمُهُ مصون وحرام

 



ولقد صاغ أبو بكر الصديق رضي الله عنه هذه الشمائل الإسلامية دستوراً للقتال في الإسلام فيقول ليزيد بن أبي سفيان عندما بعثه إلى فتح الشام، يقول ستجد قوماً زعموا أنهم حبسوا أنفسهم لله فذرهم وما زعموا أنهم حبسوا أنفسهم له وإني موصيك بعشر:

 



لا تقتلن امرأة، ولا صبياً ولا كبيراً ولا هرماً ولا تقطعن شجراً مثمراً، ولا تخربن عامراً، ولا تعقرن شاة ولا بعيراً إلا لمأكلة، ولا تحرقن نخلأً ولا تفرقنه ولا تغلل ولا تجبن الحديث رواه مالك في الموطأ

 



فكان ذلك هو أول دستور لأخلاقيات القتال قبل أن تقوم الأمم المتحدة ب1400 عام

 




 



عدد قتلى الغزوات في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم:

 



وسبحان الله.. لأن هذه كانت أخلاقيات ودستور الإسلام في الحروب فنجد أن حصيلة ضحاياه في كل الغزوات والسرايا التي حدثت على فترة 9 سنوات في حياة النبي صلى الله عليه وسلم 386 من الفريقين من المسلمين والكفار ( هذا الرقم من كتاب الدرر في اختصار المغازي والسير لابن عبد البر ).

 



في حين أن الحروب الدينية بين مذهبين في النصرانية (الكاثوليك والبروتستانت) حينما اقتتلوا هل تعلم كم مات من سكان أوروبا؟

 



مات منهم 40% من سكانها وهذا التعداد من إحصاء( فولتير 1694-1778) ، وكان هذا في قتال بين مذهبين وليس قتال بين دينين ،، هذا لمن يقول أن الإٍسلام قد انتشر بحد السيف!!

 



فهم حتى لم يحتملوا الآخر ( الطائفي ) وليس الآخر( الديني)

 



ثم تأتي بعد ذلك الفرية ويقولوا أن الإسلام انتشر بالسيف..

 




 



سيقول قائل: وماذا عن غزوة بني قريظة؟

 



غزوة بني قريظة مات فيها وحدها 600 فرد بالتحكيم وليس القتال لأنها غزوة لم يحدث فيها قتال، عندما خانوا العهود وظاهروا على المسلمين حاصرهم ، ولما استسلموا قال ماذا تريدون فحكّما حكماً لذا فهم قد ماتوا بالتحكيم وليس بالقتل

 



وإن نظرنا للمعارك التي خاضها المسلمون نجد أنهم لم يخوضوها بشهوة ولكن كانت معارك فرضها اليهود والمشركون على الرسول صلى الله عليه وسلم وإن كان القرآن الكريم يعلمنا أنهم- اليهود- أحرص الناس على حياتهم

 



ولكن الإسلام هدفه هو الإحياء وليس القتال من باب حب القتال

 




 



ومن هنا يتضح أن الإسلام لم ينتشر بحد السيف، وآيات القتال في القرآن الكريم لم تكن إلا لرد العدوان ودفعه عن المسلمين، وحتى في حالة الحرب رأينا كيف كانت أخلاق القرآن والسنة النبوية المطهرة

 




 



والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

 




علاء حماد


تاريخ الاضافة: 26-11-2009
طباعة