الرد على السلام العام بين الأمم

الرد على السلام العام بين الأمم


لا يجوز أن يتحدث متحدث عن السلام العام إلا بعد أن يدقق البحث في الحوائل التي تحول دونه، ليعرف ما هو منها متأصل في طبائع البشر، وما هو عارض من عوارض طبيعة العمران، وما هو ناشئ من تأثير التربية، وما هو صادر من التقاليد الوراثية للجماعات، وما هو مبني على حاجات اقتصادية قاهرة ... الخ؛ ليعالج ما يقبل العلاج منها ويترك ما لا يقبله إلى التطورات المقبلة. هذا إذا أراد الداعي إلى السلام العام أن لا تكون دعوته كلمة جوفاء تجوب الهواء ولا تحدث أثراً كما حصل في كل زمان ومكان.


 


وفي رأينا أنه لا يجوز الكلام في السلام العام قبل أن يتوطد السلام الخاص لكل أمة بين آحادها، فإننا نرى حروباً ومعارك تشب نيرانها بين طبقات الأمة الواحدة، فيسفك بعضها دماء بعض تحت اسم ثورات أهلية، أو انقلابات اجتماعية، أو اعتصابات اقتصادية، بل نرى ما هو أخص من ذلك من العدوانات الفردية، فيقتتل الآحاد لأقل الأمور شأناً أو لمجرد النهب والسلب، وإشباعا للشهوات البهيمية، وتضطر الحكومات إزاء هذه الحالات أن تتخذ جنوداً مسلحين للضرب على أيدي المعتدين.


 


فإذا كانت الحرب تشب بين آحاد ذوي قومية واحدة، ودين واحد رغماً عن النظم التي تتذرع بها الحكومة لقيادتهم، ورغماً عن المواعظ التي تلقى عليهم والآداب التي لقنوها في طفولتهم؛ فهل يطمع طامع أن يوجِد سلاماً عاماً بين أمم من قوميات متخالفة وقوى متباينة، وتحت تأثير عوامل وبواعث من كل ضرب؟!


 


فإذا كانت البهائية تكتفي من التحكك بمبدأ السلام العام و بمجرد الدعوة إليه، فلها ما أرادت، ولكنها تكون منها على حد ما سبقها وما تلاها من الطوائف والجمعيات الكبيرة.


 


نظر الإسلام على عادته في كل شأن خطير إلى هذه المسألة من أخفى نواحيها، وأتى بالقول الفصل فيها، فقرر أولاً الأصل الطبيعي الذي تقوم عليه الجماعات في وحداتها وفي مجموعها، وهو الأصل الذي يكفل بقاءها ويضمن استمرارها، وينفي العوامل المفسدة عن كيانها، قال تعالى:" وَلَوْلاَ دَفْعُ اللّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَـكِنَّ اللّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ }"البقرة251


نعم، لفسدت الأرض، ألا ترى أن الله يدفع بالحكومة عدوان العادين على نظمها المقررة، وعلى الآحاد الوادعين منها؟ ! ولولا ذلك لحلت الفوضى وتغلب أقوياؤها على ضعفائها وسلبوهم ما بأيديهم، فيفسد كيانها، وتنحل ربطها، وتجلو عن سطح الأرض.


 


ولولا أن الأمم قد ألهمت أن تستعد لرد المغيرين عليها، ودفع الطامعين فيها لانحلت عراها، وتفرق آحادها، ولم يبق لها وجود بين الأمم.


 


فهل كان يراد من الإسلام أن يخالف في ذلك السنن الاجتماعية ليقضى عليه وليداً في مهده قبل أن يؤدي للعالم الخِدَم المنتظرة منه؟


 


ألا تعجب أن البهائية نفسها لجأت في آخر عهدها ببلادها إلى التحاكم إلى السيف، فابتنى أشياعها حصناً لهم في "مازندران" وأصْلَوا جيوش الحكومة ناراً حامية، ثم اعتراهم الوهن، فأخذتهم الأسنةمن كل مكان، حتى لم تبق لهم دعوة علنية في عقر بلادهم.


 


فإذا كان الذين يفخرون بأنهم يدعون إلى السلام العام اضطروا إلى اللجوء إلى الحرب؛ أليس هذا دليلاً محسوساً على أن هذه الوسيلة لا تزال من حاجيات الحياة الاجتماعية، وأن الضرورة قد تدفع إليها فلا يكون بد منها وقد شرعت في الإسلام للدفاع عن الحوزة وحماية الدعوة قال تعالى:"{أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ }"الحج39 ، وقال تعالى:" {وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا}"الأنفال 61



جزى الله خيرا
تاريخ الاضافة: 26-11-2009
طباعة