مُنَاخ نَشأةِ المذَاهِب الفِكرية المعَاصِرَة في أوربَّا

مُنَاخ نَشأةِ المذَاهِب الفِكرية المعَاصِرَة في أوربَّا





من كتاب :


كواشف زيوف في المذاهب الفكريّة المعاصرة


تأليف


عبد الرحمن حسن حبنّكة الميداني



باستطاعة الباحث أن يكتشف أهم العوامل التي هيأت المناخ المناسب لانتشار المذاهب الفكرية المعاصرة في أوروبا .
ويمكن إيجازها بالعوامل التالية :

العامل الأول :
التحريف في أسس الدين الذي أنزله الله على عيسى عليه السلام ، عقيدة وشريعة .

أفالإيمان بالله الواحد خالق الكون ، وبأن عيسى عبد الله ورسوله ، قد صار في عقيدة النصارى إيماناً بإله مثلث يتجسد ، أو يحل بالإنسان ، وهو ثلاثة أقانيم ( الآب والابن والروح القدس ) .

ب – والعبادات قد دخلت فيها أوضاع بشرية كنسية مبتدعة ، وهذه المبتدعات حملها النصارى مفاهيم غيبية ، وفسروها بأن لها أسراراً مقدسة ، وجعلوا لها طقوسا تمارس في مناسباتها ، ويجب احترامها .

جـ - والأحكام التشريعية معظمها أوامر وقرارات كنسية بابوية ، ما أنزل الله بها من سلطان ، وهي تحلِّل وتُحرم من غير أن يكون لها مستند من كتاب الله أو بيانات الرسول عليه السلام .

فدين من هذا القبيل مقطوع الصلة بالحق وبما أنزل الله من الحق ، غير مؤهل لأن يكون له سلطان على العقول والنفوس في عصور التنور الفكري ، والتقدم الحضاري ، وانتشار العلوم والمعارف المستندة إلى أدلة إثبات عقلية أو حسية تجريبية .

العامل الثاني :
الفتح الإسلامي الذي أيقظ العالم الغربي من سباته ، ثمّ الفكر الإسلامي الذي امتد فأثار الإعجاب بمناهجه العقلية والعلمية القائمة على الحق ، وعلى الأدلة البرهانية في القضايا النظرية ، حتى في المسائل الدينية الكبرى ، فضلاً عن القضايا الكونية القائمة على البحث والملاحظة والتجربة ، للاستفادة مما سخر الله للناس في الكون ، والتعرف على سنن الله فيه ، واكتشاف القوانين الثابتة التي طبع الله كونه عليها .

العامل الثالث :
طغيان رجال الكنيسة ، وفساد أحوالهم ، واستغلال السلطة الدينية لتحقيق أهوائهم وإرضاء شهواتهم تحت قناع القداسة التي يضفونها على أنفسهم ، ويهيمنون بها على الجماهير الأمية الساذجة . ثمّ اضطهادهم الشنيع المريع لكل من يخالف أوامرهم السنية ، أو يخالف التعليمات الكنسية المرعية المبتدعة في الدين ، والتي ما أنزل الله بها من سلطان ، حتى ولو كانت أموراً تتصل بحقائق كونية تثبتها التجارب والمشاهدات العلمية المادية .

العامل الرابع :
الاتجاه الجاد في أوروبا والغرب عامة ، للأخذ بأسباب التقدم الحضاري العلمي والمادي . ولما اصطدم هذا الاتجاه بجمود الكنيسة ومقاومتها للعلماء ، حاول رويداً رويداً ، فكرياً ثمّ عملياً ، أن يعزل الكنيسة عن شؤون السياسة ، الذي صادف هوى ملوك الغرب وزعمائه السياسيين الذين لا دين لهم ، ثمّ عن شؤون الحياة ووسائل العيش وأساليب السلوك العام ، الذي صادف هوى الشباب والشابات ، بعد تغذيتهم بنزعة الحرية العمياء ، كما صادف هوى كل الذين يصانعون الدين مصانعة وهم لا يؤمنون به . وبهذا العزل ينحصر سلطان الكنيسة في شؤون الدين الغيبية والروحية ، وفي مراسيمه وطقوسه الخاصة .


 

تاريخ الاضافة: 22-09-2010
طباعة