مناخ نماء الكفر ونشاطه

مناخ نماء الكفر ونشاطه

من كتاب :

      صِرَاعُ مَعَ المَلاحِدَة حتى العظم

      تأليف

      عبد الرحمن حسن حبنّكة الميدان

 

 

          قد يبدو لكل عاقل بعد أن يرى الحق في جانب الإيمان ، ويأتيه خبر الوعد بالسعادة الخالدة للمؤمنين ، وخبر الوعيد بالشقاء الدائم والعذاب الأليم في نار جهنم للكافرين ، أنه لا يوجد أي داع للإنسان حتى يختار لنفسه سبيل الكفر على سبيل الإيمان ، لا سيما حين يلاحظ أنه لا توجد في مواقع الكفر مزايا من متاع الدنيا يصيبها الكافر ولا يستطيع أن يصيبها المؤمن ، علماً بأن مقدروه أن يصيب ما يريد من شهوات محرمة عن طريق المعصية ، لا عن طريق الكفر بالجحود أو يرفض الإذعان للطاعة ، فطريق المعاصي ليس فيه خلود في العذاب والشقاء ، أما طريق الكفر فهو طريق الخلود في العذاب والشقاء الأبدي .

 

          والتساؤل الوارد في هذا المجال قد أجاب القرآن عنه ، فبين أن الكافرين واقعون في الكفر بسبب مؤثرات نفسية شتى جانحة خلقياً ، إلا أن الذي غشَّى على منطقهم في الحياة أمران: زينة وغرور ، وهذان الأمران هما المناخ الذي تنشط فيه بواعث الكفر ودواعيه .

 

          فالزينة : حسنت للكافرين الحياة الدنيا ، وحسنت لهم سوء عملهم ، وصبغته بالأصباغ الخادعة ، وجعلت له المبررات المزوَّرة .

 

          والغرور في أنفسهم ساقهم عمياناً لا يبصرون إلا الزينة وما فيها من بهارج ، فأعينهم مثبتة في أشكالها وألوانها ، وآذانهم لا تسمع إلا رنات أوتارها وأصوات أجراسها ، وشهواتهم مشدودة إليها ، وقلوبهم معلقة بطلبها والسعي وراءها ، وهم يتخبطون في اتباعها ، لا يدرون أين تقع أقدامهم ، ولا يعرفون إلى أي مصير هم صائرون ، وأما أفكارهم وعقولهم فقد ألقيت عليها الغشاوة ، فهم لا يفكرون إلا في حدود منطقة الزينة .

 

          والزينة هي المجال الذي يفتتن به الإنسان فيغتر به ، وهي تكون فتنة للعين أو فتنة للأذن ، أو فتنة للفكر ، أو فتنة للنفس ، أو فتنة لما سوى ذلك من داخل الإنسان وخارجه .

 

          والزينة طلاءات وزخارف خادعة في مظهرها ، ولا دلالة لها على الحقيقة الجوهرية ، إنما تخدع بحلاوة مظهرها ، فيتصور الجاهل المتسرع أن ما ظهر له عنوان ما بطن وخفي عليه ، فيعطي للباطن حكم ما بدا له في الظاهر ، لذلك نلاحظ أن القرآن حين يلفت أنظارنا إلى حقيقة ما في الحياة الدنيا يبين لنا أنها من قبيل الزينة فقط ، فهي لا تحتوي على جوهر حقيقي ثابت وفي هذا يقول الله تعالى في سورة (البقرة/2 مصحف/87 نزول):

          {زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ فَوْقَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ وَٱللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ}

 

          فهم مع أنهم مخدوعون بزينة الحياة الدنيا وساقطون في الغرور يتصورون المؤمنين مضيِّعين لذات حياتهم ، ومتعلقين بالأوهام وبرؤيا خيالية عن الدار الآخرة ، فيسخرون منهم ، وكان الحق يقضي بأن يسخروا من أنفسهم إن عفَّ عن السخرية منهم الذين آمنوا .

 

          ولكن ينعكس الأمر يوم القيامة فيقتص منهم الذين آمنوا سخرية بسخرية .

 

          والغرض من جعل الحياة الدنيا هكذا زينة تفتتن النفوس بها توافر ظروف الابتلاء الأمثل ، وهذا ما بينه الله بقوله في سورة (الكهف/18 مصحف/69 نزول):

          {إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى ٱلأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُم أَحْسَنُ عَمَلاً * وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيداً جُرُزاً }

 

          أي: سيأتيهم يوم تفقد فيه زينتها فيغدو سطحها صلداً يابساً لا نبات فيه ولا زرع ، قد احترق كل ما عليها من خضرة ونضرة ، وتهدَّم كل ما عليها من قصر مشيد .

 

          وأخطر ما في الأمر أن يغتر الإنسان بزينة الأقوال والأفكار الباطلة ، وبزينة الأعمال السيئة ، فيرى الباطل حقاً ، ويرى السيء حسناً ، فيندفع وراء الباطل مؤيداً له وناصراً ، ويعمل الأعمال السيئة متعاظماً بها ومفاخراً ، زاعماً أنه من المحسنين ، وهنا تكون المحنة الكبرى ، والفتنة العظمى .

 

          ونقيض هذا من كان على بينة من ربه ، يرى الحق حقاً فيتبعه ويعمل بموجبه ، ويرى الباطل باطلاً فيجتنبه ويحذر من العمل بما يفضي إليه .

 

          وإلى هذين الموقفين المتناقضين جاءت الإشارة في قول الله تعالى في سورة (محمد/47 مصحف/95 نزول):

          {أَفَمَن كَانَ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ كَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوۤءُ عَمَلِهِ وَٱتَّبَعُوۤاْ أَهْوَاءَهُمْ}

 

          فمن كان على بيِّنة من ربه فإنه يكون صحيح التصور للأمور ، مستقيم العمل غالباً انسجاماً مع تصوراته الصحيحة ، ومن زيِّن له سوء عمله فلا بد أن يكون فاسد التصور فاسد العمل متبعاً أهواءه المنحرفة الجانحة ، متخبطاً في ظلمات البغي والفساد ، والظلم طغيان .

 

          ولذلك تكرر في القرآن التحذير من السقوط في الهاوية التي يُزيَّن فيها المسيء سوء عمله ، وتكرر فيه توبيخ الذي زين لهم سوء أعمالهم .

 

          ففي سورة (الأنعام/6 مصحف/55 نزول) أثبت الله تبارك وتعالى أن الكافرين قد زين لهم سوء عملهم ، ذكر هذا بعد مثل ضربه للمؤمنين والكافرين فقال تعالى :

          {أَوَ مَن كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي ٱلنَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي ٱلظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ}

 

          فالكافرون مثلهم كمثل من هو في الظلمات ليس بخارج منها ، فلا يعرف شيئاً عن النور ، لذلك فهو يستحسن الظلمة التي هو فيها ، كذلك زين للكافرين ما كانوا يعملون فيهم يستحسنون أعمالهم السيئة ، فيفعلونها بقوة وجرأة ومفاخرة .

 

          ويوبخ الله الذين زين لهم سوء عملهم ، فكفروا بربهم فأضلهم الله بذلك قال تعالى في سورة (فاطر/35 مصحف/43 نزول):

          {ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ * أَفَمَن زُينَ لَهُ سُوۤءَ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً فَإِنَّ ٱللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ }

 

          ففي هذا النص تلاحظ أن الله يخاطب رسوله بقوله : {فلا تذهب نفسك عليهم حسرات} أي: فلا تهلك نفسك حزناً على الكافرين الذين زين لهم سوء عملهم ، فهم قد اختاروا بأنفسهم سبيل الكفر على سبيل الإيمان ،  فحق عليهم عذاب شديد من الله ، وكان بمقدورهم أن يختاروا سبيل الإيمان والهداية ، فقد بين الله لهم الحق في كتبه وعلى ألسنة رسله ، فلا عذر لهم بجهل وعدم بيان .

          وقال الله تعالى في وصف الإنسان في سورة (يونس/10 مصحف/51 نزول):

          {وَإِذَا مَسَّ ٱلإِنسَانَ ٱلضُّرُّ دَعَانَا لِجَنبِهِ أَوْ قَاعِداً أَوْ قَآئِماً فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَن لَّمْ يَدْعُنَآ إِلَىٰ ضُرٍّ مَّسَّهُ كَذٰلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ}

 

          فمن خلائق الإنسان أنه إذا مسه الضر رجع إلى ربه ، فالتجأ إليه داعياً أن يكشف عنه ضره ، على أية حالة كان مضطجعاً أو قاعداً أو قائماً . إنه في حالة ضره تتيقظ فطرة الإيمان في داخله ، فيرجع إلى ربه مستغيثاً ، ولكنه حينما يكشف الله عنه الضر ويعود إلى ما كان فيه من متاع الحياة الدنيا وزينتها ينسى ربه ، ويمر في حياته غير معترف بخالقه ، كأنه لم يرجع إلى ربه في ساعة ضره ، فيدعوه ويلتجئ إليه ، وهكذا حال المسرفين يعملون الأعمال السيئة القبيحة ويرونها حسنة ، اغتراراً بزينتها في نفوسهم وأهوائهم .

 

          ومن أمثلة الأفكار الفاسدة التي زُيِّنت في قلوب المنافقين ظنهم أن الرسول والمؤمنين في أيام صلح الحديبية سيهلكون ، ولن يعودوا إلى أهليهم أبداً ، وظنوا بالله ظن السوء ، ولكن الله فتح على رسوله والمؤمنين فتحاً مبيناً ، وخيب ظن المنافقين ، وفي ذلك يقول الله تعالى في سورة (الفتح/48 مصحف/111 نزول):

          {سَيَقُولُ لَكَ ٱلْمُخَلَّفُونَ مِنَ ٱلأَعْرَابِ شَغَلَتْنَآ أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا فَٱسْتَغْفِرْ لَنَا يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ قُلْ فَمَن يَمْلِكُ لَكُمْ مِّنَ ٱللَّهِ شَيْئاً إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرّاً أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعاً بَلْ كَانَ ٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً * بَلْ ظَنَنْتُمْ أَن لَّن يَنقَلِبَ ٱلرَّسُولُ وَٱلْمُؤْمِنُونَ إِلَىٰ أَهْلِيهِمْ أَبَداً وَزُيِّنَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنتُمْ ظَنَّ ٱلسَّوْءِ وَكُنتُمْ قَوْماً بُوراً}

 

          أي: وكنت قوماً هلكى بنفاقكم.

 

          ومن أمثلة الأحكام الباطلة التي زينت لدى الكافرين تلاعبهم في الأشهر الحرم بالتقديم والتأخير ، ليبيحوا لأنفسهم في الأشهر الحرم ما هو محرم عليهم ، وفي هذا يقول الله تعالى في سورة (التوبة/9 مصحف/113 نزول):

          {إِنَّمَا ٱلنَّسِيۤءُ زِيَادَةٌ فِي ٱلْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يُحِلُّونَهُ عَاماً وَيُحَرِّمُونَهُ عَاماً لِّيُوَاطِئُواْ عِدَّةَ مَا حَرَّمَ ٱللَّهُ فَيُحِلُّواْ مَا حَرَّمَ ٱللَّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوۤءُ أَعْمَالِهِمْ وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلْكَافِرِينَ}

 

          وهكذا تفعل الزينة فتسقط الظالمين والمسرفين والكافرين في الغرور .

 

          فالكافرون في غرور بما زين لهم في الحياة الدنيا .

 

          ولذلك قال الله تعالى في سورة (الملك/67 مصحف/77 نزول):

          {...إِنِ ٱلْكَافِرُونَ إِلاَّ فِي غُرُورٍ}.

 

          أي: ما الكافرون إلا ساقطون في غرور ،فهم مخدوعون بما خدعوا به أنفسهم ، من أفكار مزينة ، وأهواء مزينة ، وشهوات مزينة وأمان مزيَّنة ، وأقوال مزخرفة مزينة ، إلى غير ذلك مما في الحياة الدنيا من زينة .

 

          أما جوهر الحقيقة فهم عنه معرضون ، وبينهم وبينه غشاوات على قلوبهم وأفكارهم وأسماعهم وأبصارهم ، فالغرور متى استولى على إنسان أعماه وأصمه عن كل بيان يكشف له زيف ما هو مغرور به .

 

          أما الأشياء التي زينت لهم فاغتروا بها ، فإنها تأتي في نطاق العناصر التالية:

 

1- أول ما زين لهم فغرَّهم وجذبهم إليه متاع الحياة الدنيا ، وما فيها من شهوات وأهواء وجاه ومال وسلطان ولهو ولعب .

2- ثم غرتهم الأماني .

3- ثم غرتهم زخارف الأقوال المزورة التي توحي بها شياطين الجن والإنس .

4- ثم غرتهم مفترياتهم وأكاذبيهم التي كانوا قد افتروها ، لستر انحرافاتهم ، فمر عليها فصدقوها ، وحسبوها أموراً صحيحة ،ونسوا أنهم هم الذين اختلقوها .

5- ثم انغمسوا في الغشوات الكثيرة ، وحجبوا أنفسهم عن الحقيقة ، ونسوا الله وعميت أبصارهم وبصائرهم عن آياته .

 

          * الغرور بمتاع الحياة الدنيا وزينتها:

          نلاحظ أن الله تبارك وتعالى قد بين للناس أن الحياة الدنيا متاع الغرور ، فأوضح لهم أنها متاع يغتر به الجاهلون قصيرو النظر ، فقال في سورة (آل عمران/3 مصحف/89 نزول):

          {كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ ٱلْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ ٱلنَّارِ وَأُدْخِلَ ٱلْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَما ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ ٱلْغُرُورِ}

 

          وقال تعالى في سورة (الحديد/57 مصحف/94 نزول):

          {ٱعْلَمُوۤاْ أَنَّمَا ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي ٱلأَمْوَالِ وَٱلأَوْلاَدِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ ٱلْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرّاً ثُمَّ يَكُونُ حُطَاماً وَفِي ٱلآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ ٱللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَآ إِلاَّ مَتَاعُ ٱلْغُرُورِ}

 

          فعلى الإنسان أن يعقل أمره ولا يغتر بزخرف الحياة الدنيا وزينتها . ولذلك حذر الله الناس جميعاً من الاغترار بذلك فقال تعالى في سورة (لقمان/31 مصحف/57 نزول):

          {يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمْ وَٱخْشَوْاْ يَوْماً لاَّ يَجْزِي وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ وَلاَ مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِ شَيْئاً إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ فَلاَ تَغُرَّنَّكُمُ ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا وَلاَ يَغُرَّنَّكُم بِٱللَّهِ ٱلْغَرُورُ}

 

          والغرور : هو الشيطان .

 

          وقال تعالى في سورة (فاطر/35 مصحف/43 نزول):

          {يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ فَلاَ تَغُرَّنَّكُمُ ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا وَلاَ يَغُرَّنَّكُمْ بِٱللَّهِ ٱلْغَرُورُ * إِنَّ ٱلشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَٱتَّخِذُوهُ عَدُوّاً إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُواْ مِنْ أَصْحَابِ ٱلسَّعِيرِ}

 

          ثم بين الله تبارك وتعالى أن الكافرين مغرورون بالحياة الدنيا ، فقال لرسوله في سورة (النعام/6 مصحف/55 نزول):

          {وَذَرِ الَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ دِينَهُمْ لَعِباً وَلَهْواً وَغَرَّتْهُمُ ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا}

 

          وفي موقف الحساب يوم القيامة يخاطب الله الظالمين الكافرين من الجن والإنس ، فيقول لهم كما جاء في سورة (الأنعام/6 مصحف/55 نزول):

          {يَامَعْشَرَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَـٰذَا قَالُواْ شَهِدْنَا عَلَىٰ أَنْفُسِنَا وَغَرَّتْهُمُ ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا وَشَهِدُواْ عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُواْ كَافِرِينَ}

 

          وبعد أن يدخلهم الله دار العذاب يخاطبهم بمثل ذلك ما جاء في قوله تعالى في سورة (الجاثية/45 مصحف/65 نزول):         

          {فَأَمَّا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ ذَلِكَ هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْمُبِينُ * وَأَمَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَفَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فَٱسْتَكْبَرْتُمْ وَكُنتُمْ قَوْماً مُّجْرِمِينَ * وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ وَٱلسَّاعَةُ لاَ رَيْبَ فِيهَا قُلْتُم مَّا نَدْرِي مَا ٱلسَّاعَةُ إِن نَّظُنُّ إِلاَّ ظَنّاً وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ * وَبَدَا لَهُمْ سَيئَاتُ مَا عَمِلُواْ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ * وَقِيلَ ٱلْيَوْمَ نَنسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَـٰذَا وَمَأْوَاكُمُ ٱلنَّارُ وَمَا لَكُمْ من نَّاصِرِينَ * ذَلِكُم بِأَنَّكُمُ ٱتَّخَذْتُمْ آيَاتِ ٱللَّهِ هُزُواً وَغَرَّتْكُمُ ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا فَٱلْيَوْمَ لاَ يُخْرَجُونَ مِنْهَا وَلاَ هُمْ يُسْتَعَتَبُونَ}.

 

          ولا هم يستعتبون ، أي: لا يقبل منهم توبة ولا استغفار ولا استقالة من ذنوبهم ، فقد مضى زمن التوبة والاستغفار ، وأصل الاستعتاب طلب رفع العتب وطلب حصول الرضا .

 

          وبعد أن يذوقوا عذاب جهنم وتشتد عليهم الآلام فيها ، ينادون أصحاب الجنة يرجونهم أن يفيضوا عليهم من الماء أو مما رزقهم الله ، فيقولون لهم : إن الله حرم الجنة وما فيها على الكافرين الذين اتخذوا دينهم لهواً ولعباً ، وغرتهم الحياة الدنيا ، ويصف الله هذا المشهد من مشاهد الآخرة فيقول تعالى في سورة (الأعراف/7 مصحف/39 نزول):

          وَنَادَىٰ أَصْحَابُ ٱلنَّارِ أَصْحَابَ ٱلْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُواْ عَلَيْنَا مِنَ ٱلْمَآءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ قَالُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى ٱلْكَافِرِينَ * ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ دِينَهُمْ لَهْواً وَلَعِباً وَغَرَّتْهُمُ ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا...}.

 

          وهكذا ظهر لنا أثر الغرور بالحياة الدنيا وزينتها وزخرفها ، وظهرت لنا نتائجه الوخيمة .

 

          * الغرور بالأماني :

          لكل فئة من فئات الكافرين مجموعة من الأماني الكاذبات الضائعات ، تناسب حالة كفرهم ، فهم ينخدعون بها ، وينجذبون إليها ، ويسعون وراءها .

 

          فالمشركون تتعلق أمانيهم بالآلهة التي يعبدونها من دون الله ، فتخيب أمانيهم التي تعلقت بهذه الآلهة ، لأنها تعلقت بأوهام لا حقيقة لها ، يدعونهم فلا يستجيبون لهم .

 

          وأهل الكتاب الكافرون بالإسلام تتعلق أمانيهم بتصوراتهم باطلة وعقائد فاسدة .

 

          والملحدون الدهريون تتعلق أمانيهم بحدود الحياة الدنيا ، فيسعون وراءها ، ويكدون لاهثين ، ثم لا تتحقق أمانيهم .

         

          ففي الحديث عن أهل الكتاب قال الله تعالى في سورة (البقرة/2 مصحف/87 نزول):

          {وَقَالُواْ لَن يَدْخُلَ ٱلْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَىٰ تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ إِن كُنْتُمْ صَادِقِينَ}

 

          وخاطب الله المشركين بقوله في سورة (النساء/4 مصحف/92 نزول):

          {لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلاۤ أَمَانِيِّ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ مَن يَعْمَلْ سُوۤءًا يُجْزَ بِهِ وَلاَ يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً}

 

          ويوم القيامة يخاطب المؤمنون المنافقين والمنافقات فيقولون لهم ضمن حوار طويل: {وغرتكم الأماني حتى جاء أمر الله وغركم بالله الغرور}، أي الشيطان.

 

          ويصور الله لنا هذا الحوار بقوله في سورة (الحديد/57 مصحف/94 نزول):

          {يَوْمَ يَقُولُ ٱلْمُنَافِقُونَ وَٱلْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُواْ ٱنظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ قِيلَ ٱرْجِعُواْ وَرَآءَكُمْ فَٱلْتَمِسُواْ نُوراً فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ ٱلرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ ٱلْعَذَابُ * يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ قَالُواْ بَلَىٰ وَلَـٰكِنَّكُمْ فَتَنتُمْ أَنفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَٱرْتَبْتُمْ وَغرَّتْكُمُ ٱلأَمَانِيُّ حَتَّىٰ جَآءَ أَمْرُ ٱللَّهِ وَغَرَّكُم بِٱللَّهِ ٱلْغَرُورُ * فَٱلْيَوْمَ لاَ يُؤْخَذُ مِنكُمْ فِدْيَةٌ وَلاَ مِنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مَأْوَاكُمُ ٱلنَّارُ هِيَ مَوْلاَكُمْ وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ }.

 

          * الغرور بوساوس شياطين الجن والإنس:

          ووساوس شياطين الإنس والجن تدغدغ في الكافرين ما لديهم من الأماني الكاذبة ، وتثيرها وتغذيها ،وتعد وتمني ، ولكنها ما تعد ولا تمني إلا غرورا ً، وفي ذلك يقول الله تعالى في سورة (النساء/4 مصحف/92 نزول):

          {وَمَن يَتَّخِذِ ٱلشَّيْطَانَ وَلِيّاً من دُونِ ٱللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَاناً مُّبِيناً * يَعِدُهُمْ وَيُمَنيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمْ ٱلشَّيْطَانُ إِلاَّ غُرُوراً * أُوْلَـٰئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَلاَ يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصاً}

 

          إنها الخطة التضليلية التي رسمها إبليس لإغواء بني آدم ، والتي بينها الله لنا بقوله في سورة (الإسراء/17 مصحف/50 نزول):

          {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاۤئِكَةِ ٱسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إَلاَّ إِبْلِيسَ قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِيناً * قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَـٰذَا ٱلَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إَلاَّ قَلِيلاً * قَالَ ٱذْهَبْ فَمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَآؤُكُمْ جَزَاءً مَّوْفُوراً * وَٱسْتَفْزِزْ مَنِ ٱسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي ٱلأَمْوَالِ وَٱلأَوْلادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ ٱلشَّيْطَانُ إِلاَّ غُرُوراً * إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ وَكِيلاً }

 

          لأحتنكن ذريته ، أي: لأستأصلن بالإغواء ذريته ، وأصل المادة مشتقة من الحنك، يقال لغة : احتنك الجراد الزرع إذا أكله ، والجراد يأكل بحنكة أكلاً متسأصلاً فلا يبقي ولا يذر . أو لأقودن ذريته كيف شئت ،يقال لغة : حنك الرجل دابته إذا شد حبلاً في حنكها الأسفل ليقودها كيف شاء ، فهو شبيه باللجام الذي يجبر الدابة على طاعة من يقودها ، ولعل هذا المعنى هو الأقرب للمراد والله أعلم .

 

          وقد امتحن إبليس التغرير بآدم وزوجه ، وحلف لهما أنه من الناصحين ، فأوقعهما بمخالفة الله ،وتسببلهم بالخروج من الجنة ، وكانت وسيلته التغريرية تشتمل على تدرج ماكر ، وقد عبر الله عنه بقوله تعالى : {فدلاهما بغرور}، أي: أنزلهما في هوة المعصية كمن يدلي إنساناً في بئر ليشرب من مائها ، ولكن هذه البئر لا ماء فيها ، التدلية مشتقة من إنزال الدلو في البئر ، ومعلوم أن هذا الإنزال يكون شيئاً فشيئاً ، فالتدلية تتضمن معنى التغرير بتدرج .

 

          وقد أوضح الله قصة هذه التدلية الشيطانية في سورة [الأعراف ، الآيات: 19-23].

 

          وخطة شياطين الإنس في التغرير بالمواعيد الكاذبة ودغدغة الأماني أخطر وأفعل خطة شياطين الجن ، ويوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غروراً ، ويتولى شياطين الإنس إغواء الناس وتغريرهم بأقوالهم المزخرفة وأباطيلهم المنمقة ، فيوقعون من يستجيب لهم بالغرور ، قال الله تعالى في سورة (الأنعام/6 مصحف/55 نزول):

          {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُل نِبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ ٱلإِنْسِ وَٱلْجِن يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ زُخْرُفَ ٱلْقَوْلِ غُرُوراً وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ * وَلِتَصْغَىۤ إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُواْ مَا هُم مُّقْتَرِفُونَ }

 

          فيتعاون شياطين الإنس والجن على وضع الضلالات المغررة التي يغتر بها من يستجيب لهم ، ممن تميل أفئدتهم إلى ضلالاتهم ، إذ أنهم لا يؤمنون بالآخرة ، ثم إنهم حين يغترون بهذه الضلالات يرضونها ، ويقترفون ما يقترفون من آثام ، ويقترفون ما يقترفون من شرور .

 

          ويعد الظالمون بعضهم بعضاً مواعيد لا تخرج عن دائرة الغرور ، وفي هذا يقول الله تعالى في سورة (فاطر/35 مصحف/43 نزول):

          {بَلْ إِن يَعِدُ ٱلظَّالِمُونَ بَعْضُهُم بَعْضاً إِلاَّ غُرُوراً}

 

          * غرور الكافرين بمفتريات أنفسهم:

          قد يبدو غرور الإنسان بما يفتريه هو نفسه غروراً عجيباً ، ولكن قد يحصل بمؤثرات عدة ، منها الهوى الطاغي ، والغضب المفقد للصواب ، والخوف المضيِّع للرشد ، والطمع الذي يغشي على البصيرة .

 

          وهذا يذكِّرنا بطمع أشعب واغتراره بما كان يفتريه هو للصبيان من ولائم ليصرفهم عنه ، حتى إذا انصرفوا عنه إلى جهة الوليمة التي اختلقتها لهم لحقهم طمعاً بأن يجد تلك الوليمة فعلاً ، وينسيه طمعه أنه هو صانع الأكذوبة .

 

          مثل هذا من أشعب وأضرابه قد يكون طريفاً مضحكاً ، أما أن يوجد نظيره في قضايا الإنسان الكبرى ، لا سيما ما يتعلق بالعقائد الكبرى وأمور الدين فهو العجب العجاب ، إنه لعب بالمصير ، وتورط خطير في شر مستطير .

 

          وقد تمثل قصة اللصين والشيخ زنكي اغترار الإنسان بمفتريات نفسه .

 

          يُحكى أن لصين تعاونا على اللصوصية وقطع طريق الناس حقبة من الزمن ، ولكن جلب لهما هذا العمل تشرداً في الأرض ومتاعب كثيرة ، فأوحى لهما الشيطان أن يقيما ضريحاً كاذباً بالقرب من بلدة يعتقد أهلها بالخرافات ، وأن يكونا قيمين على هذا الضريح ، ويفتريا له عند الناس الكرامات ، حتى يفد إليه الجهلة والوثنيون ويقدموا له القرابين والأموال تقرباً إليه وتبركاً به ، وفعلاً ذلك بعد أن دفنا في القبر كلباً ميتا ً، وأطلقا على صاحب الضريح اسم الشيخ زنكي .

 

          كان لصين فقط ، فصارا لصين مضللين شيطانين .

 

          وبدأ ناقصو العقول من الرجال والنساء يفدون إلى هذا الضريح للتبرك ، ويبذلون له القرابين والأموال ، ويستولي عليها هذا اللصان ، ثم طمع أحدهما بما جمعه قرينه من مال فسرقه منه ، فاختصما ، فأنكر السارق ، فاستحلفه خصمه ، فحلف له بالشيخ زنكي أنه لم يسرق منه شيئاً ، فقال له قرينه: ما هذا القسم؟ كلب دفناه معاً ، أفصدقت الفرية التي افتريناها معاً؟ أم تريد أن تحتال علي وتخدعني ، واقتتلا فقتل كل منهما صاحبه .

 

          وكثيراً ما يفتري الناس الفِرى ، ثم ينخدعون بها هم أنفسهم ، ويتصرفون تصرف الساقط المغرور ، لا سيما إذا وجدوا من يصدقهم بها ، وطال عليهم الأمد ، ومرت بهم مصادفات تدعم ما افتروه في ظنِّ الجاهلين .

 

          إن القبيح شديد القبح إذا زعم أنه جميل واستطاع بحيلته أن يخدع فئة من الأغبياء ، فأخذ هؤلاء يثنون على جماله ، فإنه كثيراً ما يسقط في الغرور فيعتقد نفسه جميلاً جداً ، مع أنه في نظر غير هؤلاء الأغبياء قبيح جداً .

 

          وكثير من المذاهب المصنوعة للتضليل يصدرها أصحابها افتراء ويزينوها بالأقوال المزخرفة ، ثم إذا طال الأمد وصدقها فريق من الناس اغتر بها مصدروها أنفسهم ، فاعتقدوها إيماناً بعد أن كانوا قد أطلقوها افتراء .

 

          فالكافرون قد يقعون فريسة الغرور بما كانوا قد افتروه هم ، وقد أشار القرآن إلى هذا النوع من الغرور فقال الله تعالى في سورة (آل عمران/3 مصحف/89 نزول):

          {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيباً منَ ٱلْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَىٰ كِتَابِ ٱللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّىٰ فَرِيقٌ منْهُمْ وَهُمْ مُّعْرِضُونَ * ذٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لَن تَمَسَّنَا ٱلنَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَاتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ}

 

          فهؤلاء الذين أوتوا نصيباً من الكتاب قد افتروا على ربهم فقالوا : لن تمسنا النار إلا أياماً معدودات ، ثم صدقوا فرية أنفسهم ، واتخذوها عقيدة من عقائدهم ، وغرهم في دينهم ما كانوا يفترون من أكاذيب على ربهم .

          وما أكثر الأكاذيب التي يفتريها الناس في العقائد ، ثم تتحول هذه الأكاذيب بتطاول الزمن واستجابة الجهلة لها وبعض المصادفات المؤيدة ، إلى عقائد راسخة في الدين ، حتى في نفوس واضعيها ومختلقيها ، وهذا أقبح الغرور أن يغتر الإنسان بما افتراه هو .

 

 

تاريخ الاضافة: 26-11-2009
طباعة