عرض المقال :تقييم دقيق لحادثة الراهب بحيرى
  الصفحة الرئيسية » مـقـالات الموقـــع » الرد على شبهات حول الإسلام » الرد على الشبهات حول الرسول صلى الله عليه وسلم

اسم المقال : تقييم دقيق لحادثة الراهب بحيرى
كاتب المقال: admin


عبد الستار غوري


ترجمة الأخت / مسلمة


 


لم يدع نبي الإسلام أبداً أن تعاليمه هي نتاج فكره الخاص. وقد دافع عنه القرآن الكريم في الآية الكريمة " وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نوراً نهدي به من نشاء من عبادنا وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم- صراط الله الذي له ما في السماوات والأرض ألا إلى الله تصير الأمور"  سورة الشورى 52-53


وأما الشبهة التي تُثار حول تعاليمه صلى الله عليه وسلم ، وهي أن مصدرها الديانة اليهودية والنصرانية ، فإن من الجدير بالذكر أن مصادر تلك الأديان السماوية واحد وهو الوحي الإلهي ، وأن هناك وحدة في هدف تلك الأديان وهو إرشاد البشرية. لم يدّع نبي الإسلام أبداً أن ما جاء به هو دين فريد في نوعه. وقد وضح القرآن الكريم هذه الحقيقة " قل ما كنتُ بدعاً من الرسل وما أدري ما يُفعل بي ولا بكم إن أتبع إلا ما يوحى إليّ وما أنا إلا نذير مبين " سورة الأحقاف 9


إن التشابه في بعض الأمور الدينية بين الأديان السماوية الثلاث ناتج عن وحدة المصدر ، ومن المتعذر أن يكون نبي الإسلام صلى الله عليه وسلم قد اقتبس تعاليمه من الإنجيل وقد اعترف بعض المستشرقين بذلك ، فقد قال البروفيسور مونتجمري واط "(....) إن من المستبعد أن يكون محمد صلى الله عليه وسلم قد قرأ الكتب الدينية اليهودية أو النصرانية [ص39] (....) ومن الأرجح أنه لم يقرأ أي كتاب آخر .


وقد شاركه ج.س.هجسن نفس الرأي بقوله " إن قاعدة نبوة محمد من ناحية مبدأية هي نفس تجربة وأعمال أنبياء بني إسرائيل. لكنه لم يعرف شيئاً عنهم بشكل مباشر. ومن الواضح أن تجربته كانت خاصة "


إن الإسلام طريقة حياة أوحى به الله من خلال نبيه لإرشاد البشرية جمعاء على مدى العصور والأزمان ، وقد حافظ دائماً على تعاليمه وأهدافه ، وكان من الممكن اعتباره سخيفاً لو اختلفت تعاليمه الأساسية التي تتناسب مع الزمان والمكان عما هي عليه ، فالله واحد وهو خالق وقيوم كل شيء ، لا شبيه ولا شريك له ، ويوم القيامة آت لا شك فيه ، كما وإن الجريمة والزنا والكذب والسرقة والقسوة...الخ كلها ذنوب قد تعرض مرتكبها للعقاب. أما الرحمة والصدق وإخراج الزكاة وخدمة جميع الكائنات والرفاهية الاجتماعية والفضائل فقد كانت حقيقة منذ مئات آلاف السنين ، وما زالت حقيقة إلى يومنا هذا وستبقى حقيقة عبر القرون القادمة. فكيف تكون تعاليم نبي مختلفة عن تعاليم نبي آخر مع وجود فترة زمنية بينهما قد تبلغ مئات بل آلاف السنين؟ وكذلك الحال بالنسبة للأحداث التاريخية ، ما عدا إحداث بعض التغيير فيها من خلال انعدام المسئولية أو الإهمال في توخي الدقة وقت تدوينها. من المهم معرفة تلك الحقيقة ، ومن واجب المستشرقين تعريف الجميع بها. يقول القرآن الكريم " شرع لكم من الدين ما وصى به نوحاً والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه كبر على المشركين ما تدعوهم إليه الله يجتبي إليه من يشاء ويهدي إليه من ينيب " سورة الشورى 13


كان نبي الإسلام أُمياً لا يعرف القراءة ولا الكتابة ، ولم يكن لديه أي اتصال بأي مسئول ديني ، كما لم تتوفر لديه فرصة لتلقي العلم من أحدهم ، هناك حديث يروي أنه سافر ضمن قافلة تجارية مع عمه وولي أمره أبي طالب عندما كان في التاسعة أو في الثانية عشرة من عمره ، وقد توقفت القافلة في بصرى. وكان هناك راهب يعيش في صومعة وقد تعرف على محمد صلى الله عليه وسلم على أنه رسول رب العالمين. وعندما سُئل عن سبب ذلك ، قال إن كل شجرة وصخرة قد ركعت له ، وأن ذلك لم يحدث إلا للأنبياء. وقد أعاده أبو طالب إلى مكة المكرمة مع أبي بكر وبلال بناء على نصيحة بحيرا. لم يألوا المستشرقين جهداً في إثارة الشبهة حول تلك الحادثة ، والادعاء بأن نبي الاسلام قد اقتبس دينه من ذلك الراهب. لقد تركوا ثقافتهم وموضوعيتهم ودراستهم التحليلية ومستوى بحوثهم العالي الذي عُرفوا به وجعلوا من الحبة قُبة .


لقد روُي ذلك الحديث بواسطة سلسلة من رواة مختلفين (إسناد) ، وفي مجموعات مختلفة . وأقوى تلك الروايات رواية الترمذي ، وجميع الروايات الأخرى موضوعة بحيث أن لا أحد ممن جمعوا الأحاديث أعطاها أي اهتمام.


وهذه سلسلة رواة  الحديث كما رواه الترمذي :-


روى الترمذي عن الفضل ابن سهل، عن عبدالرحمن ابن غزوان—عن يونس أبي اسحق – عن أبي بكر ابن أبي موسى عن أبيه [أبي موسى الأشعري] أنه قال : " ذهب أبو طالب إلى بلاد الشام....الخ"


قام العلامة شبلي نُعماني ومن بعده تلميذه العلامة س.سليمان ندفي بإجراء دراسة تحليلية لحادثة بحيرا في كتابهم " سيرة النبي صلى الله عليه وسلم" (7 مجلدات) باللغة الأردية ، وهذه خلاصة ملاحظاتهم التي وردت في المجلد الأول ( للشلبي) والمجلد الثالث ( لسليمان نفدي) : -


مع أن أحد الرواة – عبدالرحمن ابن غزوان – قد حصل على اعتراف من نُقاد علم أسماء الرجال (علم مصداقية رواة الأحاديث) لكن آخرين قد وجهوا له التهم. يقول العلامة الذهبي في كتابه " ميزان الاعتدال " أن عبدالرحمن يروي الأحاديث الضعيفة ، وأكثر تلك الأحاديث الغير مقبولة هو الحديث المتعلق بحادثة بحيرا. وكذلك فقد روى حديث المماليك المختلق. يقول حكيم " لقد روى حديثاً غير مقبولٍ عن الإمام الليث" وكتب ابن حبان " لقد ارتكب أخطاءً" . إن عبدالرحمن هذا قد روى ذلك الحديث من يونس ابن اسحق ، ورغم أن بعض النقاد قد أيدوا يونس لكنه يعتبر بشكل عام ضعيفاً وغير موثوق به. يقول يحيى : لقد كان مهمِلاً، واتهمه شُعبة بالغش. أما الإمام أحمد فقد صنف روايته بشكل عام على أنها غير موثوقة ولا قيمة لها. نقل يونس هذا روايته عن أبي بكر الذي بدوره روى عن أبيه أبي موسى الأشعري ، لكن ليس مؤكداً إن كان قد سمع الحديث من أبيه مباشرة ، ورفض الإمام أحمد ابن حنبل تماماً سماع أبي بكر عن أبيه ، مما جعل ابن سعد يصنف حديثه على أنه ضعيف. وبذلك فإن بالإمكان تصنيف الحديث على أنه منقطع ( أي انقطاع سلسلة الرواة).


وبعد هذا الموجز عن سلسلة رواة ذلك الحديث من كتاب سيرة النبي ، فإننا سنجري دراسة تفصيلية للرواة ، فعلينا أولاً أن نعطي وصفاً للراوي الأول أبي موسى الأشعري الذي كان أحد صحابة نبي الإسلام صلى الله عليه وسلم، قال عنه ابن الأسير :


قالت جماعة من علماء الوراثة والسيرة الذاتية أن أبي موسى ذهب إلى مكة ، وتحالف مع سعيد ابن العاص ثم عاد إلى قبيلته. وبعد ذلك [بعد ليس أقل من 10-15 سنة] ذهب إلى مكة مع إخوته ، وتزامنت رحلته مع عودة المسلمين الذين هاجروا إلى الحبشة زمن فتح خيبر. يُقال أن الرياح قادت سفينتهم إلى أرض النجاشي ، حيث عاشوا لبعض الوقت. ثم انضموا إلى المهاجرين أثناء عودتهم من الحبشة إلى المدينة.


توفي أبو موسى ما بين عام 42-53 هجرية عن عمر ناهز 63 عاماً.


جمع حافظ شمس الدين محمد ابن أحمد ابن أسامة الذهبي معلومات مفصلة عن أبي موسى فقال: -


روي أن أبا موسى توفي عام 42 هـ.


يروي أبو أحمد الحكيم أنه توفي عام 42 هـ .


وفي رواية أخرى أنه توفي عام 43 هـ .


روى أبو نعيم أبو بكر ابن أبي شيبة ، ابن نمير وقعنب ابن المحرر أنه توفي عام 44 هـ .


أما الواقدي فإنه يقول إنه توفي عام 52 هـ ويقول المدائني " في عام 53 بعد المغيرة "


وذُكر في طبقات القرى " الحقيقة هي أن أبا موسى توفي في شهر ذي الحجة من عام 44 "


وقد سُجلت معلومات أخرى مشابهة من قبل المؤرخين :-


( أ ) ابن حجر العسقلاني


( ب ) ابن سعد


يتضح من ذلك أن :-


1- أبا موسى الأشعري قد توفي عن عمر ناهز 63


2- أنه توفي ما بين عام 42 – 53 هـ والأرجح أنه توفي عام 44 كما ذُكر الذهبي أعلاه


3- إذا كان قد توفي عام 42 هـ فإنه يكون قد ولد عندما كان عمرالنبي صلى الله عليه وسلم 32 عاماً أي من 20 – 23 عاماً بعد حادثة بحيرا.


4- لا يمكن بحال من الأحوال اعتبار أبي موسى الأشعري شاهد عيان للحادثة التي حدثت قبل ميلاده بمدة 20 – 34 عاماً وقبل 30 – 40 عاماً قبل بلوغه حيث أن درجة فهمه وتذكره لمثل تلك الحادثة تكون ضعيفة.


وحتى ولو لم يكن أبي موسى شاهد عيان فإن من الممكن قبول روايته لو أنه قال منذ البداية أنه سمع الحادثة من النبي صلى الله عليه وسلم نفسه ، أو من أحد صحابته الذين سمعوها من النبي صلى الله عليه وسلم نفسه.


وفي غياب مثل تلك الرابطة فإن سلسلة الرواية تعتبر مقطوعة ، ويعتبر مثل ذلك الحديث "مرسل" أي تصنيفه ضعيف. وحتى لو أننا تجاهلنا تلك النقطة فإن لسلسلة الرواية عيوباً جدية أخرى تحول دون قبولها. فإن أبو بكر يروي الحديث عن أبيه أبي موسى الأشعري ، ولا يوجد دليل واحد على أنه سمع حديثاً عن أبيه وذلك لآنه توفي عام 106 هـ بينما توفي والده أبو موسى الأشعري عام 42 هـ عن عمر ناهز 63 عاماً كما روى الإمام شمس الدين الذهبي ، كما نورد هنا " يروي ابن سعد عن هيثم ابن عدي أنه مات عام 42 هـ أو لاحقاً..."


وهذا يعني أنه عاش 64 عاماً أو نحوها بعد وفاة أبيه مما يجعله لم يكن إلا  صبياً وقتها.  


وقد رفض الإمام أحمد ابن حنبل رفضاً قاطعاً إمكانية قبول روايته.


ويعتبره ابن سعد كاذباً ولا يؤخذ بقوله. 


يقول الحافظ يوسف المزي أن اسمه كان إما عمار أو عامر. ويضيف : -


إنه روى الأحاديث عن:  الأسود ابن هلال، البراء ابن عازب، جابر ابن سمره، عبدالله ابن عباس، علي ابن أبي طالب ومما قيل عنه خطأً عن أبيه أبي موسى الأشعري.


لقد نُقل الحديث من أبي بكر إلى يونس ابن إسحق. وكما ذكرنا فإنه ضعيف ولا يُعتمد عليه ومهمل بل وحتى ملفق. يقول أبو حكيم إنه غالباً ما يشعر بالحيرة والإحساس بالهذيان إزاء روايته. رغم أن بعض النقاد أيدوا وحتى قبلوا روايته إلا أن معظمهم يعتبرونه غير موثوق به. لقد جمع حافظ مِزّي معلومات مفصلة نوعاً ما عنه ، وأرى أن إلقاء الضوء على بعضها ضرورياً :-


يروي صالح ابن أحمد ابن حنبل المديني أنه كان يستمع إلى يحيى. وأنه قال عندما ذُكر يونس ابن إسحق: " كان الاهمال وعدم الاهتمام صفة متأصلة في شخصه ". يستشهد بُندار بقول سَلم ابن قتيبة "جئت من الكوفة. وقد سألني شعبة عمن رأيت هناك ، فقلت رأيت فلاناً وفلاناً ، وقابلت أيضاً يونس ابن اسحق ، ثم سألني وأي حديث نقل إليك ، فرويت له ما سمعت ، فسكت برهة  قلتُ له أن يونس قال " قال لي بكر ابن ماعز" فقال شعبة " ألم يقل أن عبدالله ابن مسعود روى له ؟ (وكان ذلك مستحيلاً وبوضوح نظراً للفارق الزمني بينهما. وهذا يعني أن شعبة ينظر إليه على أنه مبتدع) . يقول أبو بكر الأثرم سمعت أبا عبدالله عندما ذُكر اسم يونس ابن أبي اسحق يصنف روايته عن أبيه بأنها غير موثوقة. لقد أخبر أبو طالب أحمد ابن حنبل أن هناك إضافات على روايات الأشخاص في حديث يونس ابن اسحق. سمع ابنه اسرائيل ذلك ودَوّنه من أبي اسحق ، لكن لا يوجد أية إضافات كإضافات يونس. قال عبدالله ابن أحمد ابن حنبل " لقد سألت أبي عن يونس ابن أبي اسحق فأجاب أن رواياته ضعيفة ومشوشة (...) وأنه كذا وكذا " قال أبو هيثم أنه كان موثوقاً به ، لكن أحاديثه يصعب تصديقها واتخاذها دليلاً على شيء. وقال عنه الإمام النسائي بقوله لا ضرر من ورائه (...) توفي عام 159 أو 152 أو 158 والأصح أنه توفي عام 159.


أما الراوي التالي عبدالرحمن ابن غزوان فرغم أن معظم النقاد وضعوه في صف الرواة الأقوياء والموثوق بروايتهم ، إلا أنه لم يسلم من اللّوم فقد قال عنه الإمام مِزّي :-


قال ابن حبان عنه لقد اعتاد ارتكاب الأخطاء. فإن روايته لقصة المماليك عن الليث---عن مالك---عن الزهري---عن عروة---عن عائشة تؤلم وتزعج القلب (العقل). يقول محمد ابن جرير الطبري أنه توفي عام 207 هـ .


والآن يتبقى فقط الفضل ابن سهل ابن إبراهيم الأعرج. لقد كان راوياً قوياً ، ولكن هناك تحفظات بالنسبة له. يقول الخطيب البغدادي :-


قال لي أحمد ابن سليمان ابن علي المقرىء---أبو سعيد أحمد ابن محمد الملِني---عبدالله ابن عدي---قال "سمعتُ عبدان يقول أنه سمع أبا داود الساجستاني يقول أنه لم يُحب رواية بعض الأحاديث عن الفضل الأعرج" فسألته عن السبب. فأجاب كيف يمكن أنه لم يفوت منه أي حديث صحيح" . قال ابن عدي أنه سمع أحمد ابن الحسين الصوفي يقول أن الفضل ابن سهل الأعرج كان شخصاً ماكراً كالثعالب ومراوغاً ومخادعاً.


مما يجدر ملاحظته أنه لو أن راوياً واحداً قد وُجه له النقد ، أو أن هناك انقطاع في سلسلة رواة الحديث ، أو أن الراوي الأول لم يكن شاهد عين للحادثة ، فإن سلسلة الرواة بأكملها تصبح محل شك ، مما يجعل الرواية أو الحديث غير موثوق به.


بغض النظر عن ذكر أحد في هذا الحديث ، فإن معظم الرواة يُعتبرون بطريقة أو بأخرى مجروحين. وثانياً إن سلسلة الرواة تعتبر منقطعة. وأخيراً الراوي الأول ليس شاهد عين للحدث أو طرف فيه.


رغم وجود كل هذه العيوب وكون سلسلة الرواة في حالة مشكوك فيها ، فإن من الغريب أن عالماً باحثاً يتجرأ بل ويستشهد بذلك الحديث ويقدمه كدليل على موضوع هام هو الحادثة التي يتناولها الحديث المذكور على أنها المصدر الرئيسي لتعاليم النبي الدينية ؟


بعد القيام بدراسة خارجية لإسناد الحديث ، فإن نصه ومحتوياته يخضعان أيضاً للدراسة وهذا هو نص الحديث :-


سافر أبو طالب مع النبي صلى الله عليه وسلم إلى بلاد الشام بصحبة بعض كبار رجال قريش في قافلة تجارية ، وعندما اقتربوا من الراهب بحيرا ، قرروا التوقف للاستراحة ، فذهب إليهم الراهب رغم أنه لم يكن يفعل ذلك عندما كانوا يمرون في رحلاتهم السابقة ، فهو لم يُعرهم أي اهتمام أبداً. وعندما كانوا يحطون رحالهم مر الراهب من وسطهم ، وتوجه نحو النبي صلى الله عليه وسلم ، فأمسك بيده وقال "هذا رئيس العالم ، رسول رب العالمين ، وسيُعَينه الله رحمة للعالمين. فسأله كبراء قريش عن سبب قوله ذلك ، فقال "عندما ظهرتم من الممر ، فإن كل شجرة وحجر انحنت له ، ولم يحدث ذلك لأحد إلا لنبي ، وعرفته أيضاً بسبب خاتم النبوة الشبيه بالتفاحة الموجودة أسفل عظم كتفه ، ثم عاد وأحضر لهم طعام الغداء ، وكان نبي المستقبل مع قطيع الإبل. فأرسل له الراهب طعاماً. عندما حضر نبي المستقبل كانت غمامة تظله ، وعندما وصل وجد أن الرجال قد اتخذوا الأماكن الظليلة تحت الشجرة ، فجلس النبي فما كان من ظل الشجرة إلا أن انحنى فوقه. قال الراهب " أنظروا هنا! لقد خضع ظل الشجرة له ، وكان ما يزال واقفاً معهم ، ويطلب منهم عدم أخذ محمد صلى الله عليه وسلم إلى بلاد الروم ، لأنهم سيتعرفون على صفاته ويقتلونه ، وفجأة ظهر سبعة أشخاص من الروم ، فرحب بهم الراهب وسألهم عن سبب زيارتهم ، فأجابوا " بلغنا أن النبي المنتظر سيأتي من مكان إقامته هذا الشهر ، ولذلك فقد أُرسل أشخاص إلى كل جهة وأُرسلنا إلى هذه الطريق". فقال الراهب "هل يوجد رئيس لكم من حيث جئتم ؟ أجابو نعم وقالوا إن فرقتهم أفضل فرقة مما جعل الرئيس يختارهم لتلك الجهة ، فسألهم الراهب" هل فكرتم ؟ هل بإمكان أحد أن يمنع إتمام مهمة قضاها الله ؟ وعندما أجابوا بالنفي حثهم على مبايعة النبي ، وبناء على طلبه أخبره الرجال أن أبو طالب هو ولي أمر محمد صلى الله عليه وسلم. ونزولاً على إصراره المتواصل بضرورة أن يعيده أبو طالب إلى مكة مع أبي بكر وبلال [أو أن أبي بكر هو الذي أرسل بلالاً معه ، وهذا لا يبدو نقلاً مناسباً] وزودهم الراهب بزيت وكعك كمئونة للطريق.





عندما يُحلل النص بطريقة نقدية فإن ذلك يكشف عن ثغرات جدية. وها هي بعض الملاحظات:


1- كان الدخول في التعاملات التجارية والذهاب ضمن قوافل تجارية محصوراً على الأشخاص الأثرياء ولم يحلم أبو طالب أن يكون منهم ، لأنه لم يكن ثرياً أبداً بل إن ثروته كانت ضئيلة لدرجة عدم تمكنه من الإنفاق على أولاده ، مما جعل بعض أقاربه يتعاطفون معه ويأخذون على عاتقهم مسئولية تربية بعض أبنائه. إن قصة الحديث مختلقة ولا يوجد دليل على أن أبا طالب كان له رحلات تجارية إلى أي مكان. كان بائع عطور بسيط ، وقد رُوي أنه كان أعرجاً وبذلك يفقد الأهلية للقيام برحلة شاقة كتلك.


2-  لو كان بحيرا حقاً عالماً عظيماً وبارعاً لدرجة أن خطط لنبوة محمد صلى الله عليه وسلم ، فإن من المفروض أن يوجد له في السجلات النصرانية أدب كثير ، ومجلدات عن حياته وأعماله ، ولكننا لا نجد عنه شيئاً إلا في أحاديث الدرجة الثالثة في الأدب الإسلامي.


3- اختار بحيرا نبي المستقبل وفي حضور كبار رجال قريش قال إن الصبي سيصبح رئيس العالم المختار ، ونبي رب العالمين ورحمة للعالمين. وبذلك يكون رجال قريش شهوداً على تلك الحادثة الغير عادية ، وينقلونها إلى أهل مكة عند عودتهم إليها وبذلك تصبح حديث الناس ، ومن الطبيعي أنه عندما يحدث شيء يتعلق بنبي المستقبل فإن أولئك الرجال ومن سمع الحادثة منهم سيعودون للحديث عن تلك الحادثة ، لقد ظهر محمد في الصباح الباكر في البيت الحرام بعد ذلك ببضعة سنوات ، حيث حل النزاع حول وضع الحجر الأسود ، وكان من المفروض أن يصيح الناس " لقد وصل رسول رب العالمين ، ورئيس جميع المخلوقات ، وظهر رحمة العالمين ، ونحن نؤيده ونقبل رأيه ". لكن كتب التاريخ لم تذكر شيئاً من هذا القبيل ، بل تذكر أنهم قالوا "جاء الأمين---الصادق---الخ" ومرة أخرى عندما أعلن النبي المنتظر أنه اختير لأداء المهمة ، وكان من المفترض أن يعلن كل من اعتنقوا الإسلام أنهم كانوا يعرفون ذلك وينتظرونه ، فإننا نجد أن ذلك لم يحدث.


4- عندما سُئل بحيرا عن سبب معرفته بأن الصبي سيصبح نبياً أجاب بأن جميع الأشجار والحجارة قد ركعت له. ولو كان الأمر كذلك فإن كل من كانت له صلة به في مكة أو غيرها سيعرف ذلك أيضاً ، فقد كان أمراً غير عادي ، وظاهرة غير طبيعية أو مألوفة ، وبذلك لا يمكن أن تمر دون أن لا يلاحظها الناس . من الغريب أن رجال القافلة الذين ارتحلوا معها مئات من الأميال لم يلاحظوا الأمر وكان بحيرا فقط هو الذي أدركها. وبناء عليه فإن من المفترض أن علامة النبوة المذكورة تكون موجودة في الإنجيل ، لكن الأمر ليس كذلك مما يجعل الحادثة مختلقة وغير موثوقة.


5-  لو أن المستشرقين الذين اتخذوا من تلك الحادثة عاملاً يساعدهم في ادعائهم أن محمداً صلى الله عليه وسلم قد تعلم وأخذ تعاليم دينه عن النصرانية من خلال الراهب المذكور ، لو أنهم اعتقدوا أن حادثة بحيرا تلك كانت حقيقة وليست خيالاً ، ولو أنهم كانوا صادقين في دراساتهم لكان موقفهم تجاه الإسلام مختلفاً تماماً ، بينما يكشف موقفهم السلبي الحالي من الإسلام أنهم حقاً لا يعتقدون بصحة ذلك الحديث.


6- لو كان قول أن الأشجار والحجارة ركعت للنبي صلى الله عليه وسلم ، فإن ذلك لن ينحصر في تلك الحادثة فقط ، ويكون مئات الآلاف من الأشخاص قد شاهدوا ذلك في مكة وسواها. لكننا لا نجد حديثاً صحيحاً واحداً يؤيد حدوث ذلك مما يؤكد أن ذلك الحديث موضوع لا أصل له.


كما ويجدر ذكره أن الإسلام قد حرّم الركوع لأحد سوى الله. يقول القرآن الكريم :


" لا تسجدوا للشمس ولا للقمر واسجدوا لله الذي خلقهن إن كنتم إياه تعبدون " سورة فصلت 37   


" والنجم والشجر يسجدان- والسماء رفعها ووضع الميزان " سورة الرحمن 6-7


" ويعبدون من دون الله ما لا ينفعهم ولا يضرهم"  سورة الفرقان 55


" وإذا قيل لهم اسجدوا للرحمن قالوا وما الرحمن " سورة الفرقان60


     وقد منع الرسول صلى الله عليه وسلم الركوع أمام أحد سوى الله. كما مُنع ذلك في الإنجيل : " لا تصنع لك تمثالاً منحوتاً ولا صورة مما في السماء من فوق وما في الأرض من تحت وما في الماء من تحت الأرض. لا تسجد لهن ولا تعبدهن. لأني أنا الرب إلهك إله غيور أفتقد ذنوب الآباء في الأبناء في الجيل الثالث والرابع من مبغضي " الخروج 20 : 4-6


وبذلك يتضح عدم جواز الركوع لغير الله في أية حالة.


7- بالنسبة " لخاتم النبوة "  فإنه لا يوجد له دليل واضح في الإنجيل ، ولو كان لهذه العلامة أي ذكر فيه ، ولو وُجدت تلك العلامة حقاً على ظهره الشريف ، كما جاء في الحديث على لسان الراهب ، فإنه لا يوجد أي تبرير لغياب تأييد كبار قريش لتصديق دعوى محمد صلى الله عليه وسلم بأنه رسول الله ، وبالتالي قبول دينه على أنه دين الحق . رغم وجود كتلة سوداء شبيهة بالغدة أعلى ظهره (تحت عظام الكتف) ، إلا أنه لم يدّع أبداً أنها علامة نبوته ، مع أنه كان بإمكانه إبرازها كدليل على صدق دعواه[1] ، وهذا يدل على عدم أهميتها كعلامة إعجازية . وبذلك تسقط مصداقية الحديث.


8- لو لم تكن تلك الحادثة مختلقة من قبل راوٍ ساذج أو أصدقاء مغفلين أو بعض أعداء الإسلام ، لعرضها النبي صلى الله عليه وسلم كدليل واضح على صدق نبوته ، ولكان من الصعب على الكفار رفض دليل واضح عليها كعلامة ختم النبوة.


9- وتنطبق الملاحظات السابقة على حادثة تظليل السحابة لنبي الإسلام.


10- كما أنها تنطبق على حادثة مَدّ الشجرة لظلها نحوه .


11- لقد حثهم الراهب على عدم أخذ الصبي إلى بلاد الروم ، لأنه لدى رؤيته له تعرّف على علامات النبوة التي ستجعلهم يقتلونه ، وهذا يعني أن علامات نبوة النبي المنتظر كانت من الوضوح في الإنجيل بحيث لا يمكن أن تفوت عن أنظار كبار الروم . هل يتفق المستشرقون مع ملاحظات الراهب ؟ وإن كان الأمر كذلك فما مدى استعدادهم لقبول مصداقية نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ؟ هل يعتقد أولئك أن العلامات لصالح نبي الإسلام حقاً موجودة في الإنجيل بوضوح بحيث أن مجرد رؤيته تجعل العالِم يتعرف عليه كما ظن الراهب ؟


12- أما عن مجموعة الرجال السبعة الروم الذين قالوا إن النبي المنتظر كان سيخرج من بلده ذلك الشهر ، فإن المرء يتساءل عن مصدر علمهم ذلك ، فبالنسبة للإنجيل لا يوجد شيء فيه من هذا القبيل ، ومن الغريب أن يكون المستشرقون قد اختاروا بناء قصرهم بدون أي أساس وعلى أرضية مزيفة ، مما يجعله قابلاً للسقوط بمجرد ضربة واحدة من قبل ناقد موضوعي.


13- لو كانت الحادثة حقيقية لما تردد كبار قريش وخاصة أبو طالب في اعتناق الإسلام فور إعلان النبي صلى الله عليه وسلم لرسالته.


14- لو كان في الرواية أي جزء من حقيقة لامتلأت كتب الأدب الديني الإسلامي بوصف مراحل حياة ذلك الراهب المختلفة ، لكننا لا نجد له أثراً فيها.


15- يقول الفصل الأخير من الحديث أنه وبناء على إصرار من الراهب فإن أبا طالب أعاد الصبي مع أبي بكر وبلال ، وهذا دليل واضح على أن القصة مختلقة ، فإن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يكن أكبر من أبا بكر رضي الله عنه إلا بعامين أو ثلاثة ، فلو كان عمر النبي صلى الله عليه وسلم حينئذ 9 سنوات ، فإن عمر أبا بكر سيكون 6 سنوات ،  ولو كان عمر نبي المستقبل 12 عاماً لكان عمر أبي بكر 9 أعوام ، هناك مثل فارسي يقول " الكذب لا ذاكرة له ".  لقد نسي مؤلف القصة أن أبا بكر كان أصغر من النبي صلى الله عليه وسلم كما هو مدون في التاريخ.


يروي ابن سعد :-


أخبرنا محمد ابن عمر أنه سمع شعيب ابن طلحة يروي عن ابن أبي بكر الصديق أنه قال " كان بلال تِرباً لي (متساوين في السن). قال محمد ابن عمر " لو كان الأمر كذلك وكان أبو بكر قد توفي حقاً عام 13 هـ عندما كان عمره 63 عاماً ، لكان الفرق بين هذا وبين ما رُوي لنا عن بلال 7 سنين. ويقول شعيب ابن طلحة عن ميلاد بلال: كان في مثل سن أبي بكر.


يروي الحافظ الذهبي الذي يعتبر مصدراً موثوقاً في معرفة أسماء الرجال ملخصاً لحياة أبي بكر فيقول :-


توفي الصديق قبل نهاية شهر جمادى الآخرة بثمانية أيام ، عام 13 هـ وكان عمره 63 عاماً.


تُظهر الروايات أعلاه أنه يبدو أن لا منطق في إرسال أبي بكر مع نبي المستقبل لحمايته أثناء رحلة عودته إلى بلده.


16- أما بالنسبة لبلال فمن المحتمل أن لا يكون قد وُلد بعد في ذلك الوقت ، يقول ابن سعد:-


توفي بلال في دمشق ودُفن في باب الصغير عام 20 هـ عن عمر جاوز الستين عاماً. ويُقال أيضاً أنه توفي عام 17 أو 18هـ.


وقد زودنا ابن حجر العسقلاني بمعلومات مماثلة فقال :-


توفي بلال في بلاد الشام عام 17 أو 18 هـ ويقال أيضاً عام 20 هـ عندما جاوز الستين من عمره.


روى شمس الدين الذهبي بعض التقارير عن بلال فقال :-


روى يحيى ابن بكير: توفي بلال في دمشق بمرض الطاعون عام 18 هـ ، وروى محمد ابن إبراهيم التيمي وابن اسحق وأبو عمر الزرير ورواة آخرون أنه توفي في دمشق عام 20 هـ


ذكر الحافظ جمال الدين المزي بعض المعلومات عن بلال فقال :-


ويقول البخاري أنه توفي في بلاد الشام في عهد عمر رضي الله عنه


ويروي أحمد ابن عبدالله ابن البرقي أنه توفي عام 20 هـ


ويقول الواقدي وعمار ابن علي أنه توفي في دمشق عام 20 هـ عن عمر جاوز الستين عاماً.


أستنتج من المراجع والمعلومات العامة أعلاه :-


·   تقارب أعمار النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وبلال رضي الله عنهم فقد كانت أعمارهم عند وفاتهم كانت 63 عاماً تقريباً.


·  توفي النبي صلى الله عليه وسلم عام 11 هـ


·   توفي أبو بكر رضي الله عنه عام 13 هـ بعد عامين وثلاثة أشهر   من وفاة النبي صلى الله عليه وسلم.


·   توفي بلال رضي الله عنه عام 17 أو 18 والأرجح أنها عام 20 هـ أي 6-7 والأرجح 9 سنوات بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم.


·  وبناء عليه فإنه قد لا يكون قد وُلد بعد أو أن عمره كان 1-3 سنوات ، عندما كان عمر الرسول صلى الله عليه وسلم 9 سنوات.


·  عندما كان عمر النبي صلى الله عليه وسلم 12 عاماً كان عمر بلال 5-7 سنوات والأرجح 3 سنوات.


وبذلك نستطيع بسهولة أن نستنتج أنه لا يمكن أن يكون بلال رضي الله عنه قد أُرسل لحماية النبي صلى الله عليه وسلم أثناء رحلة عودته من بصرى إلى بلده.


وهذا يجعل من المستحيل قبول هذا الحديث ، ويثبت أنه ملفق لا أصل له. وبذلك يتضح للجميع بطلان الأساس الذي ارتكز عليه المستشرقون في زعمهم أن محمداً صلى الله عليه وسلم قد أخذ تعاليمه الدينية عن الراهب النصراني.


قال عبدالرحمن مبارك بوري خلال تفسيره لهذا الحديث في سنن الترمذي :-


لقد اعتبره أئمتنا وهماً وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان عمره 12 عاماً وقتئذٍ ، وكان أبو بكر  يصغره بسنتين وربع السنة ، بينما لم يكن بلال قد وُلد بعد في ذلك الوقت. جاء في ميزان الاعتدال أن من الأمور التي تدل على تلفيق هذا الحديث قوله " وأرسله مع أبي بكر وبلال " مع أن بلالاً لم يكن قد وُلد بعد ، وكان أبو بكر ما يزال صبياً.


صنف الذهبي هذا الحديث على أنه ضعيف وغير موثوق نظراً لقوله " وأرسله أبو بكر مع بلال مع أن أبا بكر لم يكن قد اشترى بلالاً بعد ، وبناءً عليه فلا حق له في أن يأمره بأداء أية مهمة (...)


قال الحافظ ابن القيم في كتابه زادالمعاد(...) عندما بلغ محمد صلى الله عليه وسلم 12 عاماً ذهب مع عمه إلى بلاد الشام ، ويقال أيضاً أن عمره كان 9 سنوات وقتذاك (...) وهذا خطأ واضح لأن من الأرجح أن بلالاً لم يكن قد ظهر للوجود بعد ، ولو كان موجوداً لما أمكن أن يكون مع أبي بكر.


يقول الحديث أنه بناءً على إصرار الراهب فقد أعيد النبي المنتظر إلى مكة تحت رعاية أبي بكر وبلال ، بحجة أنه لو أُخذ إلى بلاد الروم فإن ذلك سيضع حياته في خطر ، وذلك لأن علماء الدين سيتعرفون عليه ويقتلونه. لم يُرسل أبي بكر وبلال معه ليكونوا رفاق طريق ولم تكن رحلة ترفيهية . ومن السخف واستحالة التصديق أن أبا طالب رغم محبته لمحمد أكثر من محبته لأبنائه ، أن يتركه في رعاية صبيين أحدهما يصغره بثلاث سنوات ، والآخر إما أن لا يكون قد وُلد بعد ( إن كان عمرالنبي المنتظر 9 سنوات) أو أنه كان طفلاً رضيعاً عمره سنتين . يصعب تفسير كيف أن المثقفين المستشرقين الذين يُشهد لهم بالقيام ببحوث تستحق التقدير ، والذين اختاروا هذا الحديث الواضح تلفيقه ، وأقاموا على أساسه قصراً في الهواء ، أن تكون أمانيهم هي التي الدافع الذي ألقى بهم في هاوية عالم التعلم هذه .


17 - عندما أصبح النبي صلى الله عليه وسلم شاباً في سن الخامسة والعشرين ، شارك مرة أخرى في رحلة مع قافلة تجارية إلى بلاد الشام لصالح خديجة رضي الله عنها. لو كان يعرف أن أهل تلك البلاد يُكنون له العداوة ، وأنهم بمجرد رؤيته سيتعرفون عليه من خلال علامات نبوته الواضحة لما قام أبداً بتلك الرحلة. لكنه لم يُبد أي تردد في قبول عرض خديجة له في الاتجار لصالحها ، ولم يقم أحد بإيذائه وعاد سالماً معافاً بعد قيامه بعمليات تجارية رابحة.


18 من الغريب ملاحظتة في هذا الحديث الذي وبالرغم من أنه كله ملفق  ، إلا أنه أقوى من جميع الأحاديث التي تناولت حادثة بحيرا ، لكن الراهب لم يخاطب نبي المستقبل مباشرة في أي وقت من الأوقات ، وبإمكان الشخص ملاحظة ذلك من خلال قراءته للحديث ليرى بنفسه تلك الظاهرة الغريبة. لا يوجد في الحديث ضمير غائب بديلاً لمحمد صلى الله عليه وسلم ، لقد استعمل الراهب في كل مرة شخصاً ثالثاً أو ضمير إشارة بدلاً من الصبي. هذا يدل على أن الراهب لم يعتبر أن صبياً أمياً يمكنه أن يفهم ما يقول عنه. ومن الملاحظ أيضاً أن أحداً من رواة ذلك الحديث لم يكن من السخف لدرجة أن يُظهر الراهب وهو يخاطب الصبي بشكل مباشر. لأنهم من الطبيعي أن لا يتصورا أن صبياً في مثل عمره يستحق تلك المحادثة .


وخلاصة القول:  إن من المفيد إلقاء نظرة على الملاحظات الحيادية لبعض المستشرقين . يقول جون ب. نوس وديفيد س. نوس في كتابهم الشهير " أديان الرجل" :-


(...). إن من الواجب إدراج الحديث الشريف الذي يقول إن محمداً صلى الله عليه وسلم تعلم اليهودية والنصرانية خلال رحلاته مع القافلة التجارية المتجهة للشام ، وكانت الأولى بصحبة عمه أبي طالب عندما كان في سن الثانية عشرة ، والثانية عندما كان عمره 25 عاماً كموظف لخديجة التي تزوجها فيما بعد ، على أنه حديث غير مقبول.


ويقول توماس كارلايل :-


لا أعرف ماذا أقول بشأن سيرجيوس [ بَحيرا أو بُحيرا ، مهما كان اللفظ ،وقد أُطلق عليه أيضاً اسم سرجيوس] ، الراهب النسطوري الذي قيل إنه تحادث مع أبي طالب ، أو كم من الممكن أن يكون أي راهب قد علم صبياً في مثل تلك السن ، لكنني أعرف أن حديث الراهب النسطوري مبالغ فيه بشكل كبير ، فقد كان عمر محمد صلى الله عليه وسلم 14 عاماً [كان إما 9 أو 12 عاماً على أكثر تقدير] ولم يعرف لغةً غير لغته ، وكان معظم ما في الشام غريباً وغير مفهوم بالنسبة له.


نستنتج من متابعة التعليل أعلاه أن دعوى أولئك العلماء في أن نبي الإسلام قد أخذ تعاليم دينه من بعض علماء الإنجيل مثل بحيرا لا أساس لها من الصحة ، ولم يؤلفوا تلك القصة الغريبة والمستحيلة الحدوث إلا بدافع تمني حدوثه.


إن الدراسة الموضوعية تتطلب جهوداً مستمرة ، وغير مجهزة مسبقاً لتأمين الحقائق بطريقة معقولة وممكن تبريرها وتتسم بالمسئولية.


***ملاحظة المترجمة : قال الكاتب عن خاتم النبوة ما معناه أن الرسول صلى الله عليه وسلم " لم يدّع أبداً أنها علامة نبوته ، مع أنه كان بإمكانه إبرازها كدليل على صدق دعوته ".


وهذا يعارض ما جاء في صحيح البخاري عن قصة إسلام الصحابي الجليل سلمان الفارسي رضي الله عنه : ".......فسلمتُ عليه ، ثم استدرتُ إلى ظهره ، هل أرى الخاتم الذي وصف لي صاحبي ، فلما رآني رسول الله صلى الله عليه وسلم استدبرته ، عرف أني أستثبت في شيء وُصف لي ، فألقى رداءه عن ظهره ، فنظرتُ إلى الخاتم فعرفتُه ، فأكببتُ عليه أقبله وأبكي..."


*** كما أن الكاتب نفى وجود علامة خاتم النبوة في الأناجيل رغم أن سفر الإنشاد 5 : 10   يقول " حبيبي أبيض وأحمر .معلم بين ربوة .................وكله مشتهيات..."


لقد ثبت أن كلمة مشتهيات أصلها في النسخة العبرية " محمدم" كما هو موضح هنا :-


"Hikow mamtaqiym wkulow mahamadiym zeh dowdiy wzeh ree`iy bnowt yruushaalaaim."
 


لذا فإنني أتساءل :: إذا كانت " معلم بين ربوة" هذه هي بداية لفقرة انتهت بالحديث عن محمد ، أفلا يكون من الطبيعي أنها أيضاً تتحدث عنه ؟


 


[1]      وهذا يعارض ما جاء في صحيح البخاري عن قصة إسلام الصحابي الجليل سلمان الفارسي رضي الله عنه : ".......فسلمتُ عليه ، ثم استدرتُ إلى ظهره ، هل أرى الخاتم الذي وصف لي صاحبي ، فلما رآني رسول الله صلى الله عليه وسلم استدبرته ، عرف أني أستثبت في شيء وُصف لي ، فألقى رداءه عن ظهره ، فنظرتُ إلى الخاتم فعرفتُه ، فأكببتُ عليه أقبله وأبكي..."


*** كما أن الكاتب نفى وجود علامة خاتم النبوة في الأناجيل رغم أن سفر الإنشاد 5 : 10   يقول " حبيبي أبيض وأحمر .معلم بين ربوة .................وكله مشتهيات..."


لقد ثبت أن كلمة مشتهيات أصلها في النسخة العبرية " محمدم" كما هو موضح هنا :-


"Hikow mamtaqiym wkulow mahamadiym zeh dowdiy wzeh ree`iy bnowt yruushaalaaim."
 


لذا فإنني أتساءل :: إذا كانت " معلم بين ربوة" هذه هي بداية لفقرة انتهت بالحديث عن محمدم ، أفلا يكون من الطبيعي أنها أيضاً تتحدث عنه ؟


 



اضيف بواسطة :   admin       رتبته (   الادارة )
التقييم: 0 /5 ( 0 صوت )

تاريخ الاضافة: 26-11-2009

الزوار: 914


المقالات المتشابهة
جديد قسم مـقـالات الموقـــع
القائمة الرئيسية
البحث
البحث في
القائمة البريدية

اشتراك

الغاء الاشتراك